أحمد بن علي القلقشندي
190
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
تصحبه فيما قرب ونأى من المسافة ، ولسان السّعد قد خاطبه بالتّحيّة وشافه ، ومماليكه الأمراء قد حفّوا به أطلابا ( 1 ) ، وسنيّ موكبه قد بعث أمامه من الإضاءة نجّابا ( 2 ) ؛ ولم يزل حتّى يأتي النّيل المبارك ويستوي على الكرسيّ في الفلك المشحون ، محوطا بالنّصر الميمون والجيش المأمون ، وقد استبشر باعتلائه البحر والنّون ( 3 ) ، وأضحى لظهر الفلك من الفخار [ بحضرته ] ( 4 ) المكرّمة ، ما لصهوات أجياده العتاق المسوّمة ، فلهذا نشر أعلام بشراها ، * ( وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ الله مَجْراها ومُرْساها ) * ( 5 ) ، فسارت به في اليمّ ، ونصر اللَّه قد تمّ ، وصعد من فلكه ، على ما يسرّ نفوس المؤمنين في كمال سلطانه وعزّة ملكه ، واستقرّ على جواد شرفت صهوته ، وقرنت بالأناة والسّكون خطوته ، عربيّ النّجار ، يختال في سيره كأنّما انتشى من العقار : ويختال بك الطَّرف كأنّ الطَّرف نشوان ترى الطَّرف درى أوليس يدري أنّك سلطان ! وسار في زروع مخضرّة ، وثغور نبات مفترّة ؛ وقد طلعت للظَّفر شموسه وبدوره ، وأعدّت للصّيد بزاته وصقوره ، من كلّ متوقّد اللَّحظ من الشّهامة ، محمول على الرّاحات من فرط الكرامة ، يتوسّم فيه النّجاح ، قبل خفق الجناح ، ويخرج من جوّ السّماء ولا حرج ولا جناح ؛ وبازها الأشهب ،
--> ( 1 ) الأطلاب : جمع طلب - بضم أوله - وهي وحدات صغيرة قد تبلغ أربعمائة يرأسها أمراء يعملون في وظائف البلاط أو الدولة . وكان للسلطان نفسه أطلاب من الفرسان في عدد صغير . ويقول ابن إياس إن هذا اللفظ ظهر في أيام صلاح الدين الأيوبي . ويذكر المقريزي أن الطلب في لغة الغزّ هو أمير له لواء وبوق ومائتا فارس إلى مائة إلى سبعين . ( مصطلحات صبح الأعشى : 36 ) . ( 2 ) النّجاب هو الرسول يبعث بالرسالة . ( نزهة النفوس : 3 / 119 - 237 - 259 ) . ( 3 ) النّون هو الحوت . ( 4 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 5 ) هود / 21 .